الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأربعاء 13 أيار (مايو) 2020

من يحمي أهل دارفور بعد خروج القبعات الزرق؟

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم : عائشة البصري

منذ انتشار بعثة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي في إقليم دارفور في غرب السودان (يوناميد) في أواخر عام 2007، قُتل 64 جندياً وشرطياً من قوة حفظ السلام هذه، وجرح عشرات، جرّاء هجمات دامية. لم ألمس يوماً تعاطفاً دولياً أو سودانياً مع ضحايا النظام البائد من أبناء شعوب أفريقية عانت، هي الأخرى، من بطش جنود الرئيس المخلوع عمر البشير ومليشياته، وبعض الفصائل المتمرّدة التي تدعو اليوم إلى بقاء هذه القوة. ولكني لم أتوقع أن تستمر حملة شيطنة البعثة، وتحويلها إلى بعبع بغرض تخويف الشعب السوداني من بقاء من يحفظون السلام على رمال أرضٍ ما تزال تنزف. ولم أتوقع أن سودان ما بعد الثورة قد يخون ذاكرة بعثة أفريقية بالأساس، قذف بها المجتمع الدولي في حربٍ بلا هوادة، وقعد يتفرّج على جنودها يسقطون، الواحد تلو الآخر، تحت نيران الأسلحة الثقيلة.

على عكس ما تروجه الرواية الرسمية التي تلخّص مأساة دارفور في مواجهة مسلحة بين الحكومة والحركات المتمرّدة، قاد النظام البائد ثلاث حروب في هذا الإقليم المنكوب، وفي آن واحد. بالإضافة إلى الحرب المُعْلَنة التي خاضها ضد المتمرّدين، فقد قاد حرباً عنصرية استهدفت القبائل غير العربية، راح ضحيتها ما يزيد على 300 ألف مدني، وشرّدت الملايين داخل البلاد وخارجها. أما الواجهة الثالثة لحروب البشير، فقد خصّ بها جنود حفظ السلام، بدءاً من بعثة الاتحاد الأفريقي في دارفور (أميس)، التي أذاقها جميع أنواع العذاب، من تحرّش واختطاف ونهب واعتداء مسلح؛ جرائم اشتركت فيها بعض الحركات المتمرّدة، وأسفرت عن قتل حوالي 30 عسكري أفريقي في أقل من ثلاث سنوات.

وما إن بدأ الحديث عن استبدال "أميس" بقوة دولية، حتى نعتَ وزير الدفاع السوداني، عبد الرحيم محمد حسين، عناصر حفظ السلام بـ "الأنجاس"، وفتح باب الجهاد في وجههم، وقال إن دارفور كما كانت مقبرة لجنرالات بريطانيا ستكون مقبرة للغزاة. وحين يتعلق الأمر بالقتل والدمار، كان النظام يفي بوعده، ولقد كنتُ شاهدة على ذلك حين عملت ناطقة باسم بعثة "يوناميد" بين أغسطس/ آب 2012 ومايو/ أيار 2013. تحت ضغوط دولية مكثفة، تظاهرت الخرطوم بقبولها انتشار بعثة بتفويض أممي، شرط أن تكون أفريقية بالأساس، أي على مستوى العساكر والقيادة. هكذا حصل النظام على نسخةٍ منقّحةٍ من بعثة "أميس" بإمكانه أن يفعل بها ما يشاء، ما دام القادة الأفارقة يقفون في صفه، ولا يأبهون بمصير الجنود الذين كانوا يرسلونهم أحياناً بلا أحذية عسكرية، بلا عتاد، بلا تدريب، ولا يعترضون على قتلهم.

باستبدال القبعات الخضراء (أميس) بقبعات زرقاء (يوناميد)، أوْهم مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي العالم أنهما نشرا بعثة دولية، أُسندت إليها ولاية قوية بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي يأذن لها بأن "تتخذ جميع الإجراءات اللازمة" من أجل حماية المدنيين وحماية أفرادها ومرافقها ومنشآتها ومعداتها، وكفالة أمن وحرية تنقلهم، ومنع شن الهجمات المسلحة. كل هذه الصلاحيات لم تكن أكثر من "إذنٍ" غير قابل للتطبيق على الأرض، خصوصاً بعد أن وقع كل من الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والحكومة السودانية على "اتفاقية وضع القوات الهجين" (Status of Forces Agreement). بناء على مبدأ سيادة الدول، ووفقاً لمبدأ انتشار قوات حفظ السلام بقبول "الدولة المضيفة" ﻭﺒﺭﻀﺎها، حدّدت هذه الاتفاقية الإطار القانوني الذي يحكم علاقة الحكومة بالبعثة، ونص البند 48 على أن "تتخذ الحكومة كل الخطوات اللازمة لتأكيد سلامة وأمن وحرية تحركات يوناميد وموظفيها وسلامة وأمن منشآتها من الهجمات أو أي عمل يعيق تنفيذ مهامها".

جعلني هذا البند أتساءل باستمرار: كيف وضع مجلس الأمن حياة عناصر حفظ السلام بين أيدي نظام يتهمه بارتكاب جرائم ضد الإنسانية؟ وكيف لهؤلاء العناصر أن يحموا أنفسهم ويحموا المدنيين من القوات الحكومية التي يُفترض أن تحميهم، وهي في الواقع تحارب الجميع؟ طوال الأشهر الثمانية التي قضيتها في دارفور، كنّا نعيش على وقع حربٍ شاملة، تخوضها الحكومة السودانية بحزم وتحدٍّ سافر للفصل السابع واتفاقية وضع القوات، وكان مجلس الأمن والاتحاد الأفريقي يكتفيان بالتنديد بالاعتداءات على عناصر قوة السلام، وهم يقُتلون بمدافع الهاون والرشاشات الثقيلة والقذائف الصاروخية والأسلحة المضادة للدبابات. وكانت تقارير الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي تصف الجناة بـ"مجهولي الهوية"، وتطالب الحكومة بالتحقيق في هذه الجرائم وإحقاق العدالة، وهي تعلم أن الجناة يقتلون عناصر السلام بأمر من الحكومة ذاتها.

مثل باقي أنظمة الإبادة، حاربت السلطات السودانية "يوناميد"، وفق خطة محكمة لتقويض قوّتها عبر استنزاف مقدراتها بشكل متواصل، فكانت تتأخر وتتلكأ في إصدار التأشيرات، وتماطل بشكل متواصل، فكانت تتأخر وتتلكأ في إصدار التأشيرات، وتماطل في عمليات التخليص الجمركي لمستلزمات البعثة، من سلاح وعتاد وبضائع ومعدات لوجستية ومياه ومواد غذائية. ولم تكن تسمح للبعثة بإقلاع مروحياتها التكتيكية لرصد الوضع في دارفور، وتدخلها لحماية المدنيين عند الضرورة، وكانت تفرض حظر جو ليلياً على حركة "يوناميد"، وترفض تحرّك عرباتها من دون تصاريح صعبة أو مستحيلة المنال. نظام البشير اللاإنساني، كان يحول دون إيصال المعونة لضحاياه، ويرفض أحياناً إجلاء الجرحى من جنود البعثة.

على العموم، كانت السلطات السودانية تنتهك كل التزاماتها القانونية تجاه البعثة، وتتحكّم في كل ما ﻣﻦ ﺷﺄﻧﻪ ﺃﻥ ﻳشل ﻋﻤلها أو يضعفها. امتثال قيادة "يوناميد" لأوامر الخرطوم وتهديداتها، وتستّر تقارير البعثة على جرائم النظام وبعض الفصائل المتمرّدة ضد المدنيين وعناصر حفظ السلام، جعلني أقدم استقالتي وأطالب الأمم المتحدة بتحقيقٍ رَفَضَتْ إدارة التحقيقات في نيويورك إجراءه، ما أجبرني على اللجوء إلى الإعلام للإدلاء بشهادتي. كان تطبيق الفصل السابع مهمة مستحيلة في ظل حرب الاستنزاف الحكومية، وكنت أجدني أتساءل عن الفائدة من وجود آلاف الجنود في مختلف أنحاء دارفور تحت الحصار المفروض عليهم. وشاءت الأقدار أن أجد جواباً لسؤالي هذا قبل بضعة أيام فقط من مغادرتي السودان، حين قصفت القوات الحكومية بلدتي مهاجرية ولبدو في شرق دارفور يوم 16 إبريل/ نيسان 2013، لاستعادتهما من أيدي المتمرّدين. فرّ أزيد من عشرة آلاف مدني، واحتموا بمكاتب "يوناميد" في مهاجرية، في حين توجه أزيد من سبعة آلاف آخرين نحو قاعدة البعثة في بلدة لبدو المجاورة. لاحقتهم مليشيات الجنجويد التابعة للحكومة، وصوبت بنادقها نحو النساء والرجال والأطفال الذين احتموا بعناصر حفظ السلام في لبدو، فأسرع عساكر الكتيبة النيجيرية في تشكيل طوق بشري حول المدنيين، ما اضطر القتلة إلى الانصراف. كان هذا أحد المواقف البطولية التي يتذكّرها أهل دارفور، ولم تذكرها تقارير الأمين العام للأمم المتحدة (السابق)، بان كي مون، الكاذبة.

لم يكن جيش عمر البشير يغفر لعساكر "يوناميد" قيامهم بواجبهم، فلم يمض يومان على الحادثة حتى اقتحم خمسة عساكر قاعدة البعثة في مهاجرية ليلاً، وأطلقوا النار على عناصر حفظ السلام واتهموهم بعدم محاولتهم منع المتمرّدين من قتل القوات الحكومية، وكأنه جيء بـ"يوناميد" لتحارب في صفوف جيش البشير، وقبل انسحابهم صرخ أحدهم: "الآن سنقتلكم". لم يخلفوا وعْدَهم وهاجمت القوات الحكومية، بضباطها وجنجويدها، الكتيبة النيجيرية رقم 34 في الساعات الأولى من صباح يوم 19 إبريل/ نيسان. طوال ساعتين عصيبتين، تعرّض عناصر حفظ السلام لوابل من القصف ببنادق هجومية آلية ورشّاشات محمولة على مركبات عسكرية على مسمع السلطات السودانية التي رفضت الاستجابة لطلب النجدة، على الرغم من قربها من القاعدة، فاضطروا للدفاع عن أنفسهم ضد حُماتهم، وراح ضحية هذا الهجوم ضابط سوداني وجنديان نيجيريان.

لم يكتفِ القَتَلَة بارتكاب جريمة حرب، بل عادوا بعد بضع ساعات مدججين بالسلاح، الملازم إبراهيم أبو بكر عبد الله الذي هدّد البعثة بهجوم أكبر يدمر القاعدة بمن فيها إذا لم تدفع له ديّة بقيمة 250 ألف جنيه سوداني (57 ألف دولار آنذاك)، تعويضاً عن قتل أحد ضباطه. وثّق "فريق الخبراء المعني بالسودان" مزيداً من تفاصيل هذا الهجوم في تقرير رفعه إلى مجلس الأمن في 11 فبراير/ شباط 2014 (S/2014/87)، وأرفق صورة الملازم وعساكره، بحيث لم يترك مجالاً للتشكيك في مسؤولية القوات الحكومية عن القتل العمد لعناصر حفظ السلام النيجيريين. ومع ذلك، طالب المجلس المُخادع الحكومة السودانية بإجراء تحقيق في الحادثة، وكأن في وسع الجاني أن يتحرّى عن جريمته ويبثّ فيها.

هذه هي حقيقة البعثة التي ما زالت تتعرّض لعدائية فلول النظام ونهبهم منشآتها في واضحة النهار، وكان متوقعاً أن تدعمها حكومة عبد الله حمدوك، وتصرّ على بقائها، بدل أن توافق على خروجها بحلول أكتوبر/ تشرين الأول المقبل، كان يفترض أن تنصفها بدل أن تتهمها، هي الأخرى، بممارسة "الوصاية" على السودان، وتدبير شؤونه بموجب الفصل السابع. في مطلع شهر مايو/ أيار الجاري، أثبت مقتل أزيد من 30 شخصاً في قرية دوانا في ولاية جنوب دارفور أن هذا الإقليم ما زال ينزف، ونيران الفتن القبلية لم تهدأ، وأن معسكرات النازحين وقرى المزارعين ما زالت تتعرّض للاعتداء والنهب، وما تزال رحى الحرب دائرة في جبل مرّة، وما يزال السلام بعيد المنال، في ظل مفاوضات لا نهاية لها حول تقاسم الثروة والسلطة.

إخراج القبعات الزرق في مرحلة انتقالية هشّة يعني أنه لن يكون للمدنيين ملاذ إن ساء الوضع لا قدّر الله، وانتصرت على الثورة دولة حميدتي، الموصوف بأنه قاطع الطرق، سارق الذهب، والذي أصبح الجميع يناديه باحترام الفريق محمد حمدان دقلو، وهو يتمدّد شرقا وشمالا وجنوبا. ولأن الذئاب لا تؤتمن حتى على صغارها، لا يعقل أن تعهد مسؤولية حماية المدنيين إلى رجال حميدتي وعبد الفتاح البرهان والولاة العسكريين وقادة المناطق العسكرية الذين يشكلون أكبر خطر على سلامتهم. إن لم تُصغ حكومة حمدوك لصوت النازحين وغيرهم من المستضعفين الذين يطالبون بإبقاء "يوناميد" إلى أن يتحقق السلام ويستتب الأمن في دارفور، فسيسجل التاريخ أن الثورة السودانية حققت ما فشل نظام البشير في إنجازه: إخلاء الساحة من الطرف الثالث الذي يقف شوكة في حلق من يتربّص بالمدنيين.

13 مايو 2020



The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

إزالة التّمكين أم إزالة لجنة التّمكين؟ 2020-11-22 18:12:47 ياسر عرمان ثورة ديسمبر؛ لن تساوي الدم الذي كتبت به إن لم تتمكّن من إزالة التّمكين!. إذا أردت معرفة نتيجة فحص الكورونا السّياسية لأي شخص وموقفه من الثّورة والتّغيير؛ أعرف موقفه من إزالة التّمكين أولاً. لايمكن بناء دولة (...)

فرص المراجعة التاريخية على ضوء ثورة ديسمبر والسلام في السودان 2020-11-17 07:00:52 ياسر عرمان قال البروفيسر السنغالى الشيخ أنتا ديوب، وهو واحد من أهم المؤرخين والمفكرين الثوريين الأفارقة، وقد نال درجة الدكتوراة من جامعة السوربون فى رسالة حول اصول الحضارة الإفريقية السوداء القديمة لوادى النيل وقد اطلق (...)

الأزمة وآفاق المخرج 2020-11-15 19:55:48 بقلم : محمد عتيق حركات التغيير الكبرى ، الثورات العظيمة عبر التاريخ ، تتعرض دائماً للاختبارات القاسية ، تتوالى عليها المشكلات فتمسك بخناقها وتكاد تبعث اليأس في بعض أطرافها وجمهورها ؛ مشكلات موضوعية تبرز من الواقع ومن (...)


المزيد


أخر التحاليل

قضايا المرأة السودانية في الفترة الِأنتقالية جزرٌ نائيةٌ وقواربْ من ورقٍ !!!

2020-06-26 21:57:39 زينب عباس بدوي* مقدمة: تمضي الفترة الإنتقالية نحو طي عامها الأول في لجّةَ تحديات عالية المستوي ،وتنهض في مقدمة هذه التحديات مقدرة الفترة الإنتقالية علي وضع حجر أساس ورمي مدماك حي لمشروع تغيير يستهدف تعزيز كرامة الإنسان (...)

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2020 SudanTribune - All rights reserved.