الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأربعاء 2 أيلول (سبتمبر) 2020

نتيجة مفاوضات جوبا: خطوة مهمة نحو السلام الشامل

separation
increase
decrease
separation
separation

صلاح شعيب

أي اتفاق لوقف العنف في العمل السياسي مطلوب في هذه المرحلة الدقيقة من عمر البلاد. فالبديل هو تشجيع المحاربين للاستمرار في طلب السلطة عنوة، أو تشجيع الدولة لسحقهم. ولعل تاريخنا بعد الاستقلال كله كان قد تميز بالحرب ضد الدولة، وفي ذات الوقت تهديد حياة المواطنين في مناطق النزاع، وتعريضهم للخطر. وأهلنا في الجنوب السابق، وفي مناطق النزاع الحالية، ظلوا يدفعون باهظ الثمن للكفاح المسلح. وبالتالي فقدوا أرواحا عزيزة، وأراضٍ، وثروات، وضُرِب وئامهم، وتصعبت عليهم إجراءات الإنتاج الزراعي، والحيواني، ذلك الذي يسهم في ترقية، حياتهم، من جهة، ودعم الناتج القومي، من الجهة الأخرى.

على أن عملية السلام الجزئية هذه تبدأ بعد التوقيع على الأحرف الأخيرة. ولهذا تكون الجدية في تنفيذها هي الأهم، والمحك، والحلم. بل إن التنفيذ الدقيق لبنود سلام جوبا سيسهم في تسهيل مهمة المفاوضين الحكوميين لاحقا، والذين لا بد أنهم سيعدون العدة للحوار مع الحلو، وعبد الواحد، للبناء فوق ما تحقق. ذلك حتى يكون السلام الشامل قد أسكت صوت البندقية، ثم نكون بعدها قد فارقنا مرحلة الحرب، وخطونا جميعا نحو تحقيق العدالة، والمصالحات، وتعويض المتضررين من مآسي، وأهوال السلاح، وذلك لأجل تسنيد البناء الديموقراطي.
هذا على مستوى الرؤية النظرية.

ولكن على المستوى العملي لا يمكن تحقيق السلام دون مخاطبة الجذور الحقيقية التي أوجدت الحرب. وسلام جوبا - برغم أنه خطوة يشكر عليها وفد الحكومة، ورفاق الكفاح المسلح، ودولة جنوب السودان - ركز على تلبية المطالب، وأخفق في مخاطبة أمور كثيرة توجد ذلك السلام الشامل المأمول.

ولا نخال أن استدامة السلام تتم فقط بالاستجابة إلى تلك المطالب المتعلقة بنخبة الكفاح المسلح، ورفقائهم، وأهالي مناطقهم. فموروث الحرب تغذى بغياب عدالة الدولة، وإهمالها الفقر التنموي لجغرافيات معينة، وتجاوز مفاهيم المساواة، وغمط الحقوق الثقافية والدينية، وغياب الديموقراطية، وتعمق الفساد في القطاع الخاص، ووجود جذور عميقة لسياسة المحاباة التي شكلتها العلاقات العامة للنخب المركزية والإقليمية، وتجاهل التحديث في البنى الفكرية والإعلامية، إلخ.

الحرب وحدها ليست لعينة بلا شك. فاللعينون هم الذين يحضرون حطبها عبر سياسات تكرس الظلم، والاستبداد، والاستعلاء الديني، والإثني. ومتى ظلت مسببات هذا الظلم ميسم الدولة فإنها لن تهنأ بالاستقرار، والسلام، والتسامح. ولذلك دعونا لا نستيأس من الدعوة للسلام الشامل في بلادنا، وتشجيع كل خطوة تضع السلاح أرضا. فما دامت الثورة قد أتت بشعار "حرية، سلام، وعدالة" فإننا نعيد ما كتبناه من قبل بـأن الكفاح المسلح قد انتفى وجوده الآن، إذا كان من الممكن تحقيق المطالب بالكفاح المدني على النحو الذي حققه الشعب السوداني، وهزموا به أعتى الديكتاتوريات في عالمنا المعاصر.

إن ما يجعلنا نقدر خطوة السلام التي تحققت في جوبا هو أن أهلنا في مناطق النزاع، وخصوصا النازحين واللاجئين، والمعاقين بدنيا، ونفسيا، بسبب الحرب، والذين انتزعت أراضيهم، لن يروعوا أمنيا بأهوال الحرب مرة ثانية بتلك الكيفية التي امتدت لنحو عقود. بل سيجد هذا النفر من الأهل في السلام فرصا لجبر الضرر، والاقتصاص لمظلماتهم، وفوق كل هذا لن يتعرض وجودهم لسياسات الإبادة، أو تقصف قراهم بالطائرات، واجتياحها بالدبابات وسلاح الهاون، والخيول، والجمال.

ليس كل ما يتمناه المرء يدركه. فمن يفاوض يعني أنه سيتنازل هنا، ويكسب هناك. والقبول بالتفاوض - أصلاً - يعني انهزام الرغبة تماما في تحقيق كل الخيارات بالقوة. ولكن ليكن التوقيع على السلام مع الحركات المسلحة فرصة للاعتماد على سبيل التفاوض وسط السودانيين ليتنازلوا هنا وهناك بدلا عن استخدام العنف، والاستبداد، في إدارة شؤون الدولة، وأيضا في التعامل معها. ولعل هذا هو عصر الجماهير التي تملك فيه سلاحا سلميا قويا لإنجاز أحلامها مهما طال ليل البغاة السلطويين. ومشوار الميل يبدأ بخطوة. ولا ننسى مطلقا أن الحوار في زمن الديموقراطية هو الوسيلة الأسرع لتفادي الحرب، ولذلك فالرهان الآن يتم على قدرتنا على القطع مع زمان العنف، والاستبداد، واعتماد حراك، وجدل الديموقراطية، والثقة في قدرتنا كسودانيين على مخاطبة كل الجذور التاريخية، والآنية، لغياب الاستقرار في الدولة. ونأمل أن تسفر المفاوضات المقبلة مع الحلو، وعبد الواحد، عن تقدم لاستكمال خطوة جوبا، والتي أكدت أن قلب الإخوة الجنوبيين ما يزال ينبض بمحبة كبيرة لوطنهم الأم. ولا نعتقد أنه سيكون هناك منتصر، أو مهزوم، في نتيجة هذه المفاوضات، وما يتبعها، ما دام السلام سيرفرف فوق ربوع البلاد عند خاتم المطاف.



The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

إزالة التّمكين أم إزالة لجنة التّمكين؟ 2020-11-22 18:12:47 ياسر عرمان ثورة ديسمبر؛ لن تساوي الدم الذي كتبت به إن لم تتمكّن من إزالة التّمكين!. إذا أردت معرفة نتيجة فحص الكورونا السّياسية لأي شخص وموقفه من الثّورة والتّغيير؛ أعرف موقفه من إزالة التّمكين أولاً. لايمكن بناء دولة (...)

فرص المراجعة التاريخية على ضوء ثورة ديسمبر والسلام في السودان 2020-11-17 07:00:52 ياسر عرمان قال البروفيسر السنغالى الشيخ أنتا ديوب، وهو واحد من أهم المؤرخين والمفكرين الثوريين الأفارقة، وقد نال درجة الدكتوراة من جامعة السوربون فى رسالة حول اصول الحضارة الإفريقية السوداء القديمة لوادى النيل وقد اطلق (...)

الأزمة وآفاق المخرج 2020-11-15 19:55:48 بقلم : محمد عتيق حركات التغيير الكبرى ، الثورات العظيمة عبر التاريخ ، تتعرض دائماً للاختبارات القاسية ، تتوالى عليها المشكلات فتمسك بخناقها وتكاد تبعث اليأس في بعض أطرافها وجمهورها ؛ مشكلات موضوعية تبرز من الواقع ومن (...)


المزيد


أخر التحاليل

قضايا المرأة السودانية في الفترة الِأنتقالية جزرٌ نائيةٌ وقواربْ من ورقٍ !!!

2020-06-26 21:57:39 زينب عباس بدوي* مقدمة: تمضي الفترة الإنتقالية نحو طي عامها الأول في لجّةَ تحديات عالية المستوي ،وتنهض في مقدمة هذه التحديات مقدرة الفترة الإنتقالية علي وضع حجر أساس ورمي مدماك حي لمشروع تغيير يستهدف تعزيز كرامة الإنسان (...)

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2020 SudanTribune - All rights reserved.