الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأحد 28 آذار (مارس) 2021

وحدة قوى الثورة ؛ هل من سبيل ؟

separation
increase
decrease
separation
separation

بقلم : محمد عتيق

ليس من باب اليأس أو إثارة الإحباط أن يتناول المرء عيوب الفترة الانتقالية ومسار الثورة ، أولاً لأنه لا يوجد كمال مطلق عند البشرية ومؤسساتها ، وعليه ، ثانياً ، يستحيل الإصلاح والاستدراك ، وتستحيل إعادة ترتيب الأولويات والبرامج في الاتجاه الصحيح إلا بالنقد الإيجابي البناء ، النقد الممتلك لمصابيح تسلط بها الأضواء الكاشفة على بعض مكامن الخلل ومصادر الانحراف ، كل حسب قدرته .. والمهم هنا هي العيوب الذاتية ، أي الناتجة عن أدواء الأحزاب السياسية وجوانب قصورها الذاتي .. لأن مواجهة العقبات والمخاطر الموضوعية التي تعترض أو تعيق مسيرة الثورة ، مواجهتها ، تكمن في تقوية الذات وتطوير برامجها ورؤاها ، وبتمتين وحدة مكوناتها والارتقاء بمسلكها إلى درجات عالية في الإيثار والصدق والروح الجماعية ، مثل هذه الوحدة هي السلاح الأقوى (والأوحد تقريباً) في مواجهة المخاطر الخارجية وإصلاح المسار الداخلي في نفس الوقت ..

الوحدة بين الحشود التي قصدت إسقاط النظام كانت سلاحاً حاسماً في تحقيق ذلك الهدف ، كما كانت سلاحاً صاعقاً يوم الخروج الجبار في ٣٠ يونيو ٢٠١٩ الذي أرغم المجلس العسكري (اللجنة الأمنية) على "لحس" قراراته والعودة إلى التفاوض بالتي هي أحسن مع القوى السياسية والشعبية لتأسيس شراكة تقود الفترة الانتقالية على هدى الثورة .
غير أن تلك الوحدة ستكون هدفاً لتحالفات إقليمية ودولية لها مصالحها الاقتصادية والسياسية ولا بد من الهيمنة على السودان وتوظيفه في خدمة تلك المصالح فنصبت شباكها :
** حول بعض التنظيمات والقيادات السياسية في قوى الحرية والتغيير ذات المناعة الضعيفة أمام المغريات (خاصةً المالية) فانزلقت فيها ولا بد من سداد الثمن مواقف باهتة وانحيازات شائهة ..
** وتسللت داخل قوى الحرية والتغيير بين القوى السياسية والمهنية وبين حركات الكفاح المسلح فخرجت تلك الحركات من صفوف قحت باحثةً عن سلام (هو أصلاً في يدها) بين عواصم دول الإقليم إلى أن استقرت في جوبا ، فكانت رحلة الابتعاد عن قوى الثورة في قحت ..
** وقبل ذلك ذهبت تدعم بعض مراكز النظام الساقط كاللجنة الأمنية ومليشيات الجنجويد وأطراف محسوبة على بعض القبائل : يتقدم هذا الحلف (لجنة أمنية ، جنجويد ، بعض القبليين) كلما تراجعت قوى الثورة في قحت وضعفت وحدتها، وتمكنت من خرق الوثيقة الدستورية لتأتي من بينها من أسمته بالنائب الأول ولتهيمن تماماً على ملفات السلام والعلاقات الخارجية فوق هيمنة مؤسساتها وشركاتها على الحياة الاقتصادية والتجارية في البلاد من الذهب إلى الإنتاج الحيواني تصديراً وإلى مختلف المواد والسلع الاستهلاكية استيراداً وتجارةً ..
** بهذه النفوذ وذلك الاختراق قاد المكون العسكري مفاوضات السلام في جوبا مع الحركات المسلحة ، وحدث التقارب بينهما في جو المفاوضات ، فكان القرار الأخطر في الاتفاقية أنها تسود على الوثيقة الدستورية وتضيف مادةً إليها تدعو إلى قيام مرجعية (حاضنة) جديدة للحكومة تتيح للمكون العسكري أن يرأسها بجانب عضويتها مع الحركات المسلحة ورئيس الوزراء وما يسمى بالمجلس المركزي لقحت (من تبقت فيها من التنظيمات الخمس) تحت اسم (مجلس شركاء الفترة الانتقالية) والذي أعلنوه باستحياء ونسجوا حول أهدافه الأكاذيب الخجولة بأنه مجلس للتسهيل والتوسط في الاختلافات التي قد تنشأ بين قوى الحرية والتغيير أو داخل الحكومة ، وأنه وأنه... الخ .. ومع إزدياد التراجع والتضعضع في صفوف قوى الثورة زال الخجل وأخذ المولود الجديد (مجلس الشركاء) يمارس أدواره المرسومة علناً في تكوين الحكومة ورسم سياساتها الاقتصادية ( بالعكس تماماً من توصيات اللجنة الاقتصادية لقحت) ، وفي تحديد أولوياتها الخارجية ....الخ..

في كل تلك الاختلالات وغيرها ، نجد أن غياب وحدة قوى الثورة (تكتلاً ووحدة أهداف ورؤى) هو السبب الجوهري فيها :

++ ما معنى أن تهيمن قوى محدودة (حوالي ٥ من الأحزاب والتنظيمات) على أداة الثورة (قوى الحرية والتغيير) وتنفرد بقيادتها تحت اسم المجلس المركزي ، بإقصاء تام لبقية القوى التي لا تقل عنها وطنيةً ووعياً ونزاهةً ولا عطاءاً في مقاومة النظام الساقط ؟ وما معنى تكالبها على مقاعد وزارية ومكاسب دنيوية آنية فتبيع مبادئها على عتبات الشروط ، شروط الموافقة على شروط "التوزير" الاقتصادية والسياسية ، وبدلاً من أن تضع (قحت) سياسات الحكومة وتقودها تكون هي الملحق في عربة المكون العسكري بشقيه الرسمي وغير الرسمي ؟!
++ وما معنى أن تستجيب الأحزاب الأخرى لتلك الهيمنة والانفراد فتقف بعيداً ؟
++ وما معنى أن يبتعد حزب رئيسي عن ساحة المعركة مكتفياً بدور المعارضة واتهام الآخرين ؟

كي تستعيد دورها وقدرتها على قيادة الثورة واستئناف مسيرها التاريخي ، لا سبيل أمام قوى الثورة إلا التوحد ، توحيد الجهود بالعمل الجماعي والثقة المتبادلة وإعادة بناء التحالف الجبهوي الكبير "قوى الحرية والتغيير" وعودة الجبهة الثورية وقوى الكفاح المسلح الأخرى إليها..


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

الانتخابات المبكرة.. دعوة خبيثة 2021-12-05 17:45:44 بقلم : محمد عتيق محمد عتيق "هدفنا انتخابات حرة نزيهة" وبعضهم يضيف "المبكرة" فيقول : "انتخابات مبكرة حرة ونزيهة" (وأصل الدعوة أن تكون مبكرة)، حتى أهل اللذين يُشَارُ اليهم ب (الخلا) أخذوا في ترديد ذلك !! ، فماذا يقصدون في (...)

تحولات المشهد السوداني (2- 6) 2021-12-05 07:08:53 في انتظار العم سام السر سيد أحمد السر سيد أحمد بداية ينبغي الاشارة الى مدى ونوعية الآهتمام الامريكي بالسودان. فالسودان كبلد لا يحتل مكانة متقدمة في الاهتمام الامريكي. وأي أهتمام يوجد، أنما ينبع في أطار أهتمام عام جغرافي (...)

تحولات المشهد السوداني (1- 6) 2021-12-04 05:52:56 في البحث عن رافعة جديدة للدولة السر سيد أحمد السر سيد أحمد في أغسطس من العام 1989 وبعد شهرين من أنقلاب الانقاذ أستقبلت مجموعة من السودانيين في لندن مسافرا قادما من الخرطوم. وبما ان الرجل تبوأ مراكزا رفيعة في النظام (...)


المزيد

فيديو


أخر التحاليل

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)

تفكُّك الدَّولة السُّودانية: السِّيناريو الأكثر تَرجيحاً

2013-02-10 19:52:47 بقلم د. الواثق كمير kameir@yahoo.com مقدمة 1. تظل الأزمات السياسية المتلاحقة هي السمة الرئيس والمميِّزة للفترة الانتقالية منذ انطلاقها في يوليو 2005، في أعقاب إبرام اتفاقية السلام الشامل بين حكومة السودان ممثلة في حزب (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

تصريح حول الجهود الجارية لترشيح الأستاذ أحمد حسين ادم لمنصب مفوض مفوضية السلام 2021-03-28 05:02:54 التاريخ : 13/ شعبان/1442 هـ الموافق :27 /03/2021 متجمع منظمات المجتمع المدني بالداخل و الخارج تصريح صحفي بناءً علي انتظام منظمات المجتمع المدني في مبادرة ترشيح الأستاذ أحمد حسين لمفوضية السلام وتداعي عدد كبير من (...)

السودان: إسكات المدافعات عن حقوق النساء 2016-03-31 20:23:10 اعتداءات جنسية وتهديدات من قبل قوات الأمن (نيروبي، 24 مارس/آذار 2016) – قالت "هيومن رايتس ووتش" في تقرير أصدرته اليوم إن قوات الأمن السودانية استخدمت العنف الجنسي والتهديد وأشكال أخرى من الانتهاكات لإسكات المدافعات عن (...)

المجموعة السودانية للديموقراطية أولاً في اليوم العالمي للعدالة الاجتماعية 2016-02-19 21:45:54 يحتفل العالم في العشرين من فبراير من كل عام باليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، وهو اليوم الذي خصصته الأمم المتحدة للفت الإنتباه لازمات التمييز والتهميش والإقصاء والحرمان والإستغلال بين وداخل الشعوب، وأهمية تحقيق العدالة (...)


المزيد


Copyright © 2003-2021 SudanTribune - All rights reserved.