الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأحد 12 كانون الثاني (يناير) 2020

وللحرية أبواب.. الصحافة الحرة ميدانها

separation
increase
decrease
separation
separation

مجدي الجزولي

أثار قرار "لجنة تفكيك نظام ٣٠ يونيو" حجز أصول وممتلكات صحيفتي الرأي العام والسوداني وكذلك قناتي الشروق وطيبة التباسا شديدا في الرأي العام بين مؤيد ومعارض. رأى المؤيدون في القرار الذي نفذته القوى الأمنية، البوليس والدعم السريع، يوم ٧ يناير الجاري انتصارا لخط الثورة وبسالة في مواجهة مؤسسات العهد البائد بينما رأي المعارضون أن القرار استباح حرية الصحافة وهي عنوان للثورة ومن مكاسبها. قدم وكيل أول وزارة الإعلام رشيد سعيد يعقوب منافحة عن القرار في مقابلة تلفزيونية يوم ٨ يناير استعرض فيها حيثيات عن كل حالة كان مصدره في جميعها تقرير من ٨٠٠ صفحة تقدم به جهاز الأمن حسبما قال. صرح رشيد سعيد أن القرار "لم يأت علي خلفية خطها التحريري بل بناء على مصادر التمويل"، مضيفا أن "الدولة لم تصادر أي قناة أو صحيفة بل حُجزت إلى حين اكتمال المراجعة، وسيتم تعيين لجان تسيير للقنوات التي تم إيقافها." من جهتهم استنفر المعارضون مبدأ حرية الإعلام، استغربت الصحفية بجريدة السوداني لينا يعقوب أن يتم إغلاق صحيفة بالاشتباه وقالت مصيبة أن "الحرية هي حماية الرأي غير المرغوب فيه لأن المرغوب فيه لا يحتاج إلى حماية"، تساءلت لينا يعقوب: "ألا يملكون ما يمكن أن يدين قبل البدء في الإجراء"؟

كيف يمكن إذن تحرير الخلاف حول قضية البضاعة فيها الحرية ملتبسة بحرية من ولفعل ماذا؟ محل الصعوبة ربما هو تشخيص نظام ٣٠ يونيو، فعند اللجنة التي تولت أمر تفكيكه النظام هو حزب المؤتمر الوطني وحاضنته الحركة الإسلامية وكل ما اتصل بها من منظمات وتكوينات ومنصات إعلامية، وبهذا المنطق جاز اعتقال على الحاج وإبراهيم السنوسي والحجر على الصحف بينما ظل بكري حسن صالح في دار أبيه في الكلاكلة لا يضره شيء. بذات التقدير انخرط قادة المثلث العسكري والأمني البرهان وحميدتي ودمبلاب في سكة الثورة بأمارة الانحياز وعفى الله عما سلف. جب الانحياز الجاهلية من قبله على سنة أبي سفيان. بل فاق معارضون فصيحون للإنقاذ مثل محمد حسن بوشي سواهم في هذا المضمار واستلوا قائد الدعم السريع من خبوب فض الاعتصام ببهلوانيات ثرة من نسيج المؤامرة، اختصارها أن قائد الدعم السريع الحريف "دقس" والشر كله أنس عمر الإسلامي.

لكن، أيحيط هذا التشخيص بنظام ٣٠ يونيو فعلا؟ لهذه المناقشة سابقة في تاريخنا السياسي. احتج المرحوم عبد الخالق محجوب في "الماركسية وقضايا الثورة السودانية" على منهج الشيوعيين في معارضة نظام عبود، وقال كانت معارضة للسلطة الديكتاتورية وكفى دون النظر في منابتها الاجتماعية والطبقية. كان الإسلاميون ضلعا من أضلاع حكم البشير الطويل، وفيه سواهم الجيش وجهاز الأمن وطبقة من رجال الأعمال ورجال الدين وزعماء التكوينات القبلية. وكانت هيمنة القوى العسكرية والأمنية على شركاء "الإنقاذ" سببا في انشطار الحركة الإسلامية ثم ذهاب ريحها تحت حكم البشير حتى صارت ما رأي الناس في اجتماعات العيلفون وبثته قناة العربية مؤخرا: شلة من المعارف والأصدقاء المخضرمين لا يملكون سوى التثاؤب الممتد في وجه تنوير يتلقونه ممن يخافون عقابه ولا يثقون في قيادته، البشير كان أم علي عثمان. اليوم، وقد انكشف غطاء الشراكة وانفضت أصبح من مصلحة القوى العسكرية والأمنية أن تحشو الجثث جميعا في دولاب الحركة الإسلامية وتكتفي هي بهجاء "الدولة العميقة" ما دامت هذه الدولة العميقة هي ما أصاب عود الجيش والأمن من سوس الإسلاميين ومتى انحت عاد شرف الجندية وانسترت عورة جهاز الأمن.

في دفاعه عن قرارات لجنة العطا والفكي قال رشيد سعيد أن المعلومات التي استندت إليها اللجنة وردتها من جهاز الأمن في تقرير من ٨٠٠ صفحة حول إدارة قوى الحكم على عهد عمر البشير للإعلام وسوقه. لم يعلق رشيد سعيد أكثر من ذلك على تقرير الأمن واعتبر محتواه حقائق أكيدة ما دام خرج من بيت الكلاوي. لم يتطرق رشيد بالتعليق على دور جهاز الأمن نفسه في رسم وتنفيذ السياسة الإعلامية للنظام الذي كان حارسا له عبر السنين فقد تحول الجهاز بسحر الانحياز كما يبدو إلى شاهد ملك مؤتمن ومحصن. لكن، ألم تكن شكوانا من جهاز الأمن ويده الطويلة التي امتدت إلى طي النفوس؟ ألم تكن دعوانا أن جهاز الأمن تكبر وتجبر لا يجد من يشكمه؟ تريد لجنة العطا والفكي تفكيك النظام بأدوات النظام نفسها وجعلت لذلك صيغة إدارية استثنائية هي قانون التفكيك المعلوم الذي اجتمعت للجنته سلطات التحقيق والقضاء والتنفيذ وأوكل للجنة أخرى يكونها مجلس السيادة والوزراء الفصل في الاستئنافات دون أن يعطل الاستئناف تنفيذ قرارات التفكيك.

لمن السلطة إذن؟ ولمن الحصانة؟ السلطة كما أعلنت الوثيقة الدستورية قسمة بين قوى الحرية والتغيير وجهاز الدولة القسري، الجيش والأمن والمليشيا، والجهاز القسري بذلك شريك في حكومة الثورة التي أطاحت بسلطان البشير وليس هدفا لها. يعيد أقطاب الجهاز القسري هذا المعنى في كل مناسبة وبغير مناسبة فنزاعات الفترة الانتقالية عند حميدتي "فورة لبن" والقوات المسلحة بعبارة البرهان صبرت على "الاستفزاز" وما كانت الإرادة الشعبية لتنتصر لولا الانحياز النبيل. في صيغة المبايعة هذه، يقدم الجهاز القسري دوشكاته لخدمة الحكومة الانتقالية دون أن تخضع لمجلس وزراءها فهي في واقع الأمر معارة حتى إشعار آخر، تضرب بها قوى الحرية والتغيير وتبل من تشاء وتمسك بالمقابل عن منازعة الجهاز القسري في الولاية إلا مباصرة على سنة الإصلاح من الداخل. حساب القوات المسلحة وجهاز الأمن والدعم السريع والبوليس بهذا القياس لا كتاب له، هو شأن يخصها وحدها ولا تخضع فيه لرقيب على هلاك النفوس أو إهدار المال العام، وقد كان زعم معارضين عظام للإنقاذ حتى عهد قريب أن ثلثي ميزانية الحكومة مخصصة للجهاز القسري يسرح ويمرح كما يحلو له.

ربما صح إذن تحرير المناقشة حول قرارات لجنة العطا والفكي في سياق الخدمات المتبادلة بين الشق المدني في الحكم والشق العسكري، أمسك لي وأقطع ليك، خاصة والنداء الثوري على أشده لتفكيك سلطان الجهاز القسري للدولة واستبدال كل ذلك بمدينة أخرى من حرية وسلام وعدالة. تهديد الثورة الجليل أنها فتحت الباب لإخضاع الجهاز القسري للدولة للإرادة المدنية الديمقراطية تحصي ماله وترصده وتجيزه وتصدر أوامر تحركه وتحبس عن المواطنين "الملكية" شره. إن غاب هذا التهديد عن ذهن قراء تقارير الأمن الجدد فهو لم يغب عن ذهن القوى الأمنية التي صارت تمن بنداء "مش دي المدنية القلتو دايرنها". هذا هو ميدان الصراع الذي طرح فيها جهاز الأمن زبائن الأمس زكاة من بل اليوم. تحررنا الحقيقة، فليطرح من بيدهم تقرير الأمن لأصحاب المهنة، يشفون ما بها، وللجمهور والرأي العام يفحص أعمال جهاز الأمن وأعمال زبائنه وشركائه.


 
استطلاع الرأي
 

The following ads are provided by Google. SudanTribune has no authority on it.


أخر الآراء

هرجلة جنود الهيئة: آآه وين يا 2020-01-19 22:00:38 بقلم : مجدي الجزولي خرج الفريق البرهان، رئيس مجلس السيادة، من وقائع يوم ١٤ يناير وليلة ١٥ يناير في الخرطوم وما اتصل بها من أحداث في الأبيض والفولة بخلاصات ثلاث، قال إن هيئة العمليات بجهاز الأمن كانت جيشا خاصا لمدير الجهاز (...)

كي لا تهوي اللوحة وتتناثر 2020-01-19 19:11:32 أول المنعطفات الحرجة بعد الثورة وخيارات الساسة د.غازي صلاح الدين العتباني سواءٌ أكان المرء مشتغلا بالسياسة أو التجارة أو الحرب، لابد له من غريزة مرهفة للتوقيت السليم، الشيء الذي يعني أنه في هذه المجالات إذا ضاعت الفرصة (...)

جهاز الأمن والمخابرات ؛ إعادة هيكلة أم إعادة تأسيس ؟ 2020-01-19 19:02:40 بقلم : محمد عتيق الذي حدث يوم الثلاثاء ١٤ يناير ٢٠٢٠ الجاري ، والمعروف بأنه تمرد هيئة العمليات بجهاز أمن ومخابرات النظام البائد احتجاجاً على "ضعف مكافآت نهاية الخدمة" ، لهذا الحدث فوائد جمة في تنبيه الثورة والثوار (ق ح ت (...)


المزيد


أخر التحاليل

هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص)

2017-02-15 21:42:51 المجموعة السودانية للديمقراطية أولاً هل يمكن استعادة العملية السياسية السلمية في السودان عبر جهود الألية الافريقية؟ (تحديات وفرص) 15 فبراير 2017 بدأت الألية الافريقية رفيعة المستوى برئاسة الرئيس الجنوب افريقي السابق ثابو (...)

صراع السلطة والفساد يضعان جنوب السودان على شفا الانهيار

2013-07-21 23:59:14 جوبا 21 يوليو 2013- أصدر نائب رئيس دولة جنوب السودان المستقلة حديثا رياك مشار، تحذيرا مبطنا للرئيس سلفاكير ميارديت، المدعوم من الغرب، بأن يتنحى عن منصبه، وتعهد بأنه سيسعى ليحل محله قبل أو بعد الانتخابات المقررة بحلول عام (...)

المسألة السودانية: فشل البناء الوطني وتجربة الإسلام السياسي

2013-02-11 12:01:08 بقلم ياسر عرمان 11 فبراير 2013 - بدايةً، أود أن أعرب عن عميق شكري وتقديري للجالية السودانية، وللناشطين السودانيين في ولاية كاليفورنيا. والشكر والتقدير موصولان أيضا لمعهد مونتيري للدراسات الدولية، ولمنظمة Global Majority (...)
المزيد


أخر البيانات الصحفية

مقترح التعديلات في مشروع قانون الانتخابات العام 2018 2018-09-14 16:18:47 1-المفوضية :- أ- مستقلة سياسيا واداريا وفنيا وماليا وتوضع ميزانيتها في حساب خاص. ب- يتم اختيار رئيس المفوضية واعضاء المفوضية بالتوافق السياسي ويجيزها البرلمان ويعتمدها الرئيس ولايجوز عزلها إبراهيم بالتوافق السياسي. (...)

في نعي الأمين : أمين مكي 2018-09-02 16:01:31 حزب البعث السوداني —————————— اذا كان الموت هو الحق والحقيقة المطلقة ، فان الحياة ليست باطلة كما يقولون خاصةً عندما تكون حياةً مثل حياة أمين مكي مدني مزدانةً بالعطاء والنبل ، بالسمو والصدق والحب اللامحدود للشعب والوطن .. (...)

*تحالف العار.. ليس بإسمنا* 2018-08-14 17:38:52 نحن مجموعة من الصحافيين والكتاب والمثقفين والمجتهدين في العمل العام في الساحة السودانية: استشعاراً لمسئولياتنا الوطنية والقومية والأخلاقية والدينية، وإحساساً بالفجيعة لمعاناة الشعب اليمني الشقيق، وتضامناً مع إخوتنا وأهلنا (...)


المزيد


Copyright © 2003-2020 SudanTribune - All rights reserved.