الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الثلاثاء 29 تشرين الأول (أكتوبر) 2019

هل صار عرمان مسمار جحا وخازوق في قضايا الهامش ؟! (١ - ٢)

بقلم: الجاك محمود أحمد الجاك

قالوا (يحكي أن) جحا كان ساكن في بيت وسيد البيت قرر يرحلو من بيتو....قام قال ليهو خلاص شيل حاجات وأطلع لي من البيت يا جحا..

. ولأنو جحا كان مبيت النية يجي راجع تاني قام شال عفشو كلو إلا بس خلي مسمار صغير مغزوز في الحيطة بتاعت الغرفة. بعد فترة سيد البيت جاء داخل بيتو وإتفاجأ بجحا نايم ومعلق جلابيتو في المسمار قام سيد البيت سألوا قال ليهو يا جحا إنت مش رحلت بعفشك تاني الجابك شنو في بيتي؟! قام جحا قال ليهو أنا عندي مسمار نسيتو هنا وجيت لمسماري، ومن هنا جات قصة مسمار جحا!!

أطل النرجسي عرمان من جديد بهرطقاته ومناكفاته المعهودة في مقال نشره في وسائط التواصل الإجتماعي، وفي صحيفة سودان تربيون الأحد الموافق ٢٧ أكتوبر ٢٠١٩ تحت عنوان قضايا الثورة والثورة المضادة. خصص السيد عرمان الجزء الأكبر من المقال في فقرة (العلمانية وتقرير المصير والسلام ورؤية السودان الجديد) لنقد ومهاجمة وتبخيس طرح وفد الحركة الشعبية المفاوض للعلمانية وحق تقرير المصير. طغت روح الوصايا والإستعلاء علي مقال عرمان ليمارس علينا الأستاذية، بل طفق يحدثنا عن الإلتزام المبدئي والأخلاقي، ويحكي وباهي لنا بلا إستحياء عن تجربته المخزية في المفاوضات السابقة مع النظام البائد والتي كان يديرها عبر طاقم إستشاري أغلبهم من أعداء مشروع السودان الجديد. علي عرمان أن يعلم أنه غير مؤهل ليحاضرنا في المبادئ والأخلاق وهو الذي تم سحب الثقة منه بعد ثلاثة عقود من تاريخه النضالي الزائف، إذ يعتبر سحب الثقة أخطر سابقة في تاريخ العمل الثوري لأنه يعني أخلاقيا أنه أصبح غير موثوق به وغير مؤتمن بسبب خيانته ومؤامراته التي كانت مرصودة من قبل الثوار ومؤسساتهم القاعدية التي إتخذت حزمة القرارات التصحيحية لحسم العبث والمسخ الثوري العرماني الذي كان يحاول من خلاله الإنقلاب علي رؤية ومبادئ السودان الجديد، وتصفية الكفاح المسلح توطئة لإختطاف الثورة والإجهاز عليها.

أود عزيزتي/عزيزي القارئ التركيز في الجزء الأول من ردي علي مقال عرمان علي دوافع مقاله الذي تجني فيه علي الحركة الشعبية محاولا تبخيس مواقفها التفاوضية وممارس الوصاية علي وفدها المفاوض وهو ليس جزء من مسارها التفاوضي. وبالقراءة الفاحصة والتحليل الموضوعي لمقال عرمان من حيث المحتوي ومن حيث التوقيت نجد أنه لا يعدو كونه إمتداد للخلافات المبدئية حول قضايا جوهرية أفضت الي إقالة المخلوع عرمان من قيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان- شمال بعد سحب الثقة منه كأمين عام وسحب ملفات التفاوض والعلاقات الخارجية وملف التحالفات بقرارات تاريخية صححت مسار الحركة الشعبية وأجهضت محاولة عرمان للإنقلاب علي رؤية ومبادئ السودان الجديد، ومحاولته اليائسة لتصفية الكفاح المسلح بمساومة الجيش الشعبي لإجهاض مشروع التحرير والإجهاز علي الثورة وإختطافها بعد تدجين مؤسساتها التنظيمية.

معلوم للقاصي والداني أن المخلوع عرمان قد صار أداة من أدوات مشروع الهبوط الناعم ومن أساطين قوي الثورة المضادة. كما يعلم أي متابع ومراقب حصيف أن مقال عرمان المليئ بالتناقضات ما هو إلا إمتداد طبيعي لمعركة وحرب شعواء يخوضها السيد عرمان (بالوكالة) ضد مشروع السودان الجديد وضد قضايا الهامش For the guy is just a tool in a war by proxy. ولوضع هذا الصراع في سياقه الموضوعي، نجد أن عرمان لا يمثل نفسه في هذه المعركة الكبيرة علي الرغم من رغبته الجامحة في الإنتقام والتشفي وتحقيق الإنتصار للذات (As the guy is still traumatized after being ousted)، وإنما يعبر عن المركز الإسلاموعروبي وعن قوي السودان القديم التي تشكل حاضنته الإجتماعية والآيديولوجية، ويدافع عن مصالح المركز الإسلاموعروبي بالإصرار علي تكريس الأوضاع التاريخية المختلة في السودان لضمان إستمرار هيمنة المركز وتبرير الحفاظ علي الإمتيازات التاريخية للأقلية الحاكمة. وما يقوم به عرمان يجسد سلوك وعقلية الجلابي العروبي العنصري في آخر تجلياتها، وواضح أنه يخاطب مخاوف وعواطف وتوجهات التيارات الإسلاموعروبية المناهضة للعلمانية وحق تقرير المصير، ويعمل علي تنبيهها وتعبئتها بغرض الإصطفاف والتواطؤ الآيديولوجي لقطع الطريق أمام العلمانية، وللحيلولة دون إعادة هيكلة وبناء الدولة السودانية، أي بناء دولة المواطنة، وهو يعلم بالضرورة أن الدولة الوطنية الحديثة هيكيليا هي دولة علمانية في الأساس The modern state is structurally secular. والأكثر وضوحا هو أن السيد عرمان يريد إرسال رسالة لقوي المركز مفادها أنه يجب التعويل عليه كخبير في شئون الحركة الشعبية التي تشكل الخطر الداهم بوصفه الأدري بإستراتيجياتها وتكتيكاتها والأقدر علي التصدي لها وعزلها وتدجينها وتقزيمها. كما أن المقال من حيث الأسلوب والمحتوي والتوقيت فيه مغازلة واضحة للطغمة العسكرية والأمنية القابضة علي سلطة الأمر الواقع في الخرطوم بأنه كان وما زال، وسيظل ال Good boy وإبن المركز الوفي، وأنه يتعين عليهم الوثوق به والإعتماد عليه كخط دفاع أول كما كان يفعل صديقه قوش بإعتباره ما زال مسمار جحا وخميرة عكننة داخل الحركة الشعبية.

لعل تراجع عرمان عن مبدأ العلمانية واضح من خلال محاولة تسويقه لفكرة مدنية الدولة لتمييع وهزيمة فكرة العلمانية نفسها وجعلها من التابوهات السياسية وهذا فيه إحتيال سياسي وفكري ظلت تمارسه نخب المركز الإسلاموعروبي من أقصي اليمين الي أقصي اليسار للإلتفاف علي العلمانية نفسها كمبدأ وكواحدة من أهم مرتكزات مشروع السودان الجديد. يبدو أن عرمان الذي يري أن السياسة يجب أن تقوم علي الكذب والفهلوة ما زال يعتقد أن لديه من العبقرية ما يمكنه من التذاكي وممارسة الإستهبال السياسي والفكري علي قوي الهامش. لكن مؤكد سيظل عرمان يدفع فاتورة نرجسيته وإستعلاءه وإحتقاره لقوي الهامش، ولن تتاح له أي فرصة أو مجال مرة أخرى لإمتطاء ظهر الهامش والمتاجرة بقضاياه المصيرية، بل يقيني أنه سوف يطرد قريبا من الشرق ومن دارفور، ولسوف يمنع من التبضع بقضيتهما. وأتوقع أن يلفظ هذا العرمان حتي في الشمال والوسط النيلي بعد أن صار أكثر العناصر والشخصيات التي تعمل علي تعويق عملية السلام العادل والشامل في السودان وتعويق تقدم الثورة السودانية، وذلك من خلال تصعيد حدة الإصطفاف والصراع الآيديولوجي حيث صار خصما علي وحدة وإستقرار ما تبقي من السودان.

وختاما، نؤكد علي صحة رؤية الحركة الشعبية ومواقفها التفاوضية لحل الأزمة السودانية وتحقيق السلام العادل، الشامل والمستدام. فما الجديد عندما تطرح الحركة الشعبية العلمانية كمبدأ لبناء دولة مواطنة قابلة للحياة تسع الجميع؟ وما الغريب عندما تطرح حق تقرير المصير كموقف تفاوضي مقابل الإصرار علي التمسك بالشريعة الإسلامية التي تفرق بين السودانيين علي أساس الدين وهو حق إنساني، قانوني وديمقراطي في الأساس، لكن يصر عليها التيار الإسلاموعروبي كأداة لأسلمة وتعريب السودان بالقوة وإخضاع الهامش وإذلاله للحفاظ علي هيمنة الأقلية الحاكمة وتبرير الحفاظ علي إمتيازاتها التاريخية؟ فالحركة الشعبية تطرح حقائق غير قابلة للمغالطة، وليس لديها ما تخفيه لتمارس الكذب والنفاق السياسي وهي تؤمن بأن جذور المشكلة السودانية واضحة وضوح الشمس ولا بد من الإعتراف بها ومخاطبتها ومعالجتها....فقد صار هناك واقع جديد علي الأرض في السودان، وأصبحت أدوات الصراع مختلفة.