الصفحة الأساسية | عامود الرأي    السبت 2 تشرين الثاني (نوفمبر) 2019

هل صار عرمان مسمار جحا وخازوق في قضايا الهامش؟! (٢ - ٣)

بقلم: الجاك محمود أحمد الجاك

مواصلة عزيزتي/عزيزي القارئ لما كتبته في الجزء الأول من ردي علي مقال عرمان والذي ركزت فيه علي تحليل دوافعه الحقيقية في التجني علي وفد الحركة الشعبية المفاوض وتبخيس مواقفه التفاوضية وإحتقاره لطرح العلمانية وحق تقرير المصير لدرجة تنصيب نفسه وصيا علي وفدنا المفاوض، نجد أن السيد عربمان أبت نفسه الا وأن يعيد صفحات سوداء من تاريخ مؤسسة الرق في السودان ليذكرنا بمذكرة كرام المواطنين التي رفعها ثلاثة من زعماء الأحزاب الطائفية (عبدالرحمن المهدي - السيد علي الميرغني - الشريف يوسف الهندي) في السادس من مارس ١٩٢٥ الي مدير عام المخابرات يستنكرون ويرفضون فيها سياسة الحكومة البريطانية في محاربة الرق ويلتمسون من الحكومة إصدار أوامرها لكل موظفيها بألا يصدروا أوراق حرية للأرقاء. وهؤلاء ينتمون لذات المؤسسة التي كانت تفرض الجزية علي شعبنا تحت مسمي ضريبة الدقنية والضنبية، فيا تري هل يريد عرمان أن يقول لنا نحن أحفاد تجار الرقيق سنظل أسيادكم وأوصياء عليكم شاء من شاء، وأبي من أبي؟! ومع أننا نقر بحق عرمان في الدفاع عن آيديولوجيته الإسلاموعروبية وعن سياسات وتوجهات دولة الجلابة (مؤسسة الرق) التي تشكل حاضنته الإجتماعية والفكرية، لكن بالمثل عليه أن يتحمل تبعات غطرسته وإستعلاءه وتجنيه الآثم علي قضية شعبنا العادلة وحقوقه المشروعة، وهو أمر لا يمكن تفويته أو السكوت عليه.

ما نود تأكيده هو أننا كثوار لدينا قضية عادلة ونؤمن أن الحياة بلا قضية لعنة، وتحتم علينا مسؤلياتنا ومبادئنا وأخلاقنا النأي عن ممارسة الكذب والنفاق والعهر السياسي بإعتبارها صفات بغيضة ومدمرة لقضيتنا وتقدح في مصداقيتنا وثوريتنا. يعلم أي متابع ومراقب مطلع علي الوثائق المرجعية للحركة الشعبية (المنفستو والدستور) أنه ليس للحركة الشعبية ما تخفيه فيما يتعلق بتشخيصها للمشكلة السودانية وجذور الصراع في السودان وتصورها للحل. ذلك لأنها، أي الحركة الشعبية لا تفاوض من أجل المحاصصة علي السلطة كما يفعل عرمان ورهطه، وإنما تفاوض من أجل التغيير الجذري الذي يفضي بالضرورة الي إعادة هيكلة وبناء الدولة السودانية، وهذا لن يتأتي إلا بمخاطبة ومعالجة الجذور التاريخية للمشكلة. فما يهمنا هو الإجابة علي السؤال المحوري كيف يحكم السودان، وليس من يحكم السودان؟

نحن نقرأ تجنيات عرمان علي وفد الحركة الشعبية المفاوض في سياق الغيرة السياسية ورغبته الجامحة في الإنتقام والتشفي وتحقيق الإنتصار للذات، خاصة وأنه بات يبحث عن إستعادة التوازن النفسي بعد أن فقد البوصلة وصار خارج دائرة الفعل والتأثير السياسي بسبب إقالته من قيادة الحركة الشعبية. أما من حيث التوقيت والأسلوب، وكما قلت في السابق أن عرمان وبوصفه رأس الرمح للثورة المضادة ومشروع الهبوط الناعم طبيعي أن يخوض ضدنا حربا بالوكالة، وأن يمارس التخذيل والإحتقار وإستفذاذ الثوار وتقمص دور الوصي عليهم. وكوكيل للمركز الإسلاموعروبي، فطبيعي أن أن يتفنن في ممارسة سياسة فرق تسد لإضعاف الثوار وشق صفوفهم. وليس أدل علي حقد وعنصرية هذا العرمان من سعيه للتعبئة والتحريض الإثني والقبلي بهدف زرع الفتنة بين مكونات شعبي الإقليمين حتي يتسني له النيل من الحركة الشعبية وهزيمة رؤية ومشروع السودان الجديد، وهذا يعد أكبر دليل علي أن عرمان ثورة مضادة وأنه جلابي حاقد علي الهامش، ولا نري أي فرق بين ما يفعله هذا العرمان وما كانت تفعله الدكتاتورية المدنية ونظام الجبهة الإسلامية القومية البائد. لكن حسنا إنتبهت جماهير وقواعد الحركة الشعبية، وحسنا فعل كثير من الشرفاء والتقدميين من أبناء الشمال والوسط النيلي نفسه بتصديهم لترهات عرمان حيث جاءت ردودهم داوية وحاسمة وهي ما زالت تتري لتخرس هذا الكذاب الأشر، وتضع العنصري الحاقد في مكانه الطبيعي بعد أن إنتفخ في غير وزنه فصار نمر من ورق، وصدق أنه ندا للحركة الشعبية، وأن بإمكانه منازلتها والنيل منها.

ظلت الحركة الشعبية وما زالت، وستظل تناضل من أجل إنتزاع حقوق الأغلبية المهمشة في السودان، وليس صحيحا كما يزعم عرمان أنها قد تقزمت لتطالب بحقوق مجموعة إثنية وجغرافية محددة. وإلا لما تمسكت بمبدأ علمانية الدولة من الأساس بهدف إعطاء وحدة السودان الأولوية حتي يتسني بناء دولة قابلة للحياة تسع جميع السودانيين، وتقوم الحقوق والواجبات فيها علي أساس المواطنة. فليس هناك أي جديد أو ما يستدعي الإستغراب والذهول عندما تطرح الحركة الشعبية العلمانية كمبدأ، فقد سبق وأن طرحتها بقوة في مبادرة السلام السودانية عندما وقع الزعيم الراحل د. جون قرنق ديمابيور مع الحزب الإتحادي الديمقراطي بزعامة مولانا/ محمد عثمان الميرغني مبادرة السلام السودانية في ١٦ نوفمبر ١٩٨٨ والتي إتفق فيها الطرفان علي تجميد قوانين الشريعة الإسلامية (قوانين سبتمبر) بهدف إفساح المجال لعقد المؤتمر الدستوري لمعالجة المشكلة السودانية، ومن أجل المحافظة علي وحدة البلاد. وتعد الموافقة علي تجميد قوانين الشريعة الإسلامية(قوانين سبتمبر) أهم إجراء لبناء الثقة، وخطوة متقدمة في الإتجاه الصحيح كانت كفيلة بحقن دماء السودانيين وتمهيد الطريق لبناء دولة مواطنة حقيقية في السودان لولا تواطؤ الديكتاتورية المدنية مع الجبهة الإسلامية القومية وتنفيذ إنقلاب ٣٠ يونيو المشئوم والذي كان بمثابة خطوة إستباقية لقطع الطريق أمام تنفيذ إتفاق الميرغني- قرنق وإفساح المجال لأجندة الإسلام السياسي التي مزقت السودان شر ممزق، وما زالت تهدد ما تبقي منه. لكن يأبي التاريخ إلا وأن يعيد نفسه بذات السيناريو حيث الإصطفاف والتواطؤ الآيديولوجي من القوي الرجعية، فما أشبه الليلة بالبارحة؟!! كما سبق وأن وقعت الحركة الشعبية مع جميع فصائل التجمع الوطنى الديمقراطي علي مقررات أسمرا للقضايا المصيرية في يونيو ١٩٩٥ والتي سبقها التوقيع على إعلان نيروبي في ١٧ أبريل ١٩٩٣. وقد نصت مقررات أسمرا للقضايا المصيرية صراحة علي مبدأ فصل الدين عن السياسة، أو حق الأطراف المتضررة والمناطق الثلاث في تقرير مصيرها عبر الإستفتاء، وذلك عندما رأي التجمع الوطني الديمقراطي أن الجبهة الإسلامية القومية قد صعدت الحرب بإعلان الجهاد وهددت وحدة البلاد، فهل يري عرمان أن شعبي الإقليمين الذين أعلن عليهما الجهاد الجهاد وعانيا من سياسات التطهير العرقي والإبادة الجماعية والثقافية والإضطهاد الديني غير متضررين من إعلان تطبيق الشريعة الإسلامية؟! الحركة الشعبية فعلت ذات الشيئ عندما تمسكت بمبدأ فصل الدين عن الدولة وطرحت حق تقرير المصير في إعلان المبادئ منذ العام ١٩٩٤، فما الجديد عندما تتمسك به اليوم؟

لا شك أن التنكر لمبدأ العلمانية والإصطفاف الآيديولوجي مع قوي الظلام أمر يعبر عن إنتكاسة مؤسفة، ولكنه في ذات الوقت خطوة أثبتت ميكافيلية عرمان ووضعت مصداقيته علي المحك وكشفت عن زيف ثوريته وإدعاءه للتقدمية بعد أن خدعنا فيه لأكثر من ثلاثة عقود تمكن فيها من إختراق الثورة. ولذلك نعتبر القرارات التصحيحية التي أقالت المخلوع عرمان أكبر إنجاز حققته الحركة الشعبية لتطهير صفوفها من المندسين.

علي عرمان وسدنته أن يعلموا أن شعبنا صامد لن يستسلم ويتخلي عن كفاحه ونضاله المشروع....لن يعود من منتصف الطريق بعد أن قطع شوطا بعيدا في معركة الحرية والكرامة....لن تجدي محاولات التركيع والإصرار على تكريس الأوضاع التاريخية المختلة في ما تبقي من السودان، هذه الأوضاع التي تتم حمايتها بالتشريعات والقوانين الدينية والعنصرية، وحراستها بعنف الدولة. ومن الطبيعي أن يتمسك شعبنا بحقه في الدفاع عن وجوده وحقه في المقاومة المشروعة بخوض معركة الحرية والكرامة بشرف في حال تمسكت الأقلية الحاكمة بأسلمة وتعريب السودان بالقوة بإعتبار الشريعة الإسلامية خطا أحمر والإصرار على فرض الهوية الأحادية الإقصائية، وممارسة كافة أشكال التهميش لإخضاع وإذلال الأغلبية المهمشة. نرفض شرط الشريعة مقابل السلام، كما نرفض عرضكم يا مسمار جحا للدولة المدينية، ولن نقبل بوحدة قسرية تضطهدنا وتجعل منا مواطنين من الدرجة الثانية في بلدنا.

نؤمن ونعتقد أن الرب يقف مع حق شعبنا في البقاء والعيش بكرامة، وكذلك تفعل الطبيعة وجميع الشرفاء ورسل الإنسانية في العالم الحر.

ونواصل،،،