الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأحد 12 كانون الثاني (يناير) 2020

عمر الفترة الانتقالية

بقلم : محمد عتيق

هنالك نواقص بارزة في واقع الثورة ومسيرتها أصبحت واجبة التدارك والاستكمال ، ومن ابرزها :

تعيين الحكومات المدنية في الولايات بولاتها ووزرائها وإداراتها الحكومية المختلفة لممارسة سلطة الثورة وشرعيتها خاصةً في مجال تفكيك جيوب ومرتكزات النظام الساقط وتصفية نفوذه ، ذلك أن التأخير والتراخي فيه أصبح يشجع قوى الثورة المضادة (الزواحف) على الفرفرة ((فرفر فلان لغةً يعني أنه فقد الصواب واندفع يرتكب الحماقات)) ..

تعيين المجلس التشريعي ضلعاً ثالثاً للسلطات التي يقوم عليها بنيان الدولة الديمقراطية الحديثة "القضائية ،التشريعية ، والتنفيذية" ، هذا وقد تراكمت المسائل التي تحتاج مجلسًا تشريعيًا مستقلاً لمناقشتها والتشريع بشأنها بما فيها بعض جوانب الوثيقة الدستورية التي تحكم فترة الانتقال ..

إجراء الإصلاحات الهيكلية والسلوكية الملحة في قوى الحرية والتغيير ، إصلاحات تزيدها حيويةً وفعاليةً وقوة ، تجعلها سلطةً محايدةً بين مكوناتها ، مترفعةً عن الصغائر ، متجردةً عن المصالح الخاصة ، تزيد وحدتها متانةً ، يتبعها مكتب تنفيذي - وكما قلنا في مقال سابق - "على انقاض ما يسمى التنسيقية المركزية التي احتكرت كل سلطات ومهام وصلاحيات قوى الحرية والتغيير بوضع اليد و(الأمر الواقع) وفي سلوك أقرب للبلطجة منه للسلوك الثوري القويم" ..

والذي نستهدفه من مثل هذه الإصلاحات والإجراءات هو تمتين وسائلنا وتقوية أسلحتنا وتحسين استغلال قدراتنا وقوانا لمواجهة تحديات الانتقال ببلادنا وشعبنا من حال إلى حال .. فكما نعلم جميعاً ، نحن في مرحلة انتقالية ، بمعنى اننا بصدد الانتقال من وضع سياسي معين في بلادنا إلى وضع آخر ، من حالة إلى حالة أخرى .. وبعيداً عن التعريفات الأكاديمية والتجارب السابقة فإن واقع السودان الحالي الذي نود الانتقال عنه هو واقع معقد الأمراض ، مركب التعقيدات ، عديم الشبه في التاريخ الإنساني الذي نعرف ؛ لا يكفي أن نقول أنه ميراث ثلاثين عاماً من الاستبداد والتمكين ، فإذا أردت محاربة الفساد وأمعنت النظر حولك ستجد الفساد يسير معك أينما ذهبت مجسداً في كل أنواع المعاملات والأسواق والمفاهيم ...الخ ، ولن تجد التمكين محصوراً في المؤسسات الحكومية وشبه الحكومية فقط بل ستجده أيضاً في الرؤى وحتى في الأزياء والممارسات الاجتماعية ، وستراه يسير جنباً إلى جنب مع الفساد يزاحمك في الطريق أينما توجهت ، وفق كل ذلك ، فإن النظام الساقط ، وقد مارس النهب المنظم الشره من ريع الدولة وممتلكاتها ثلاثين حولاً ، ووضع ثروات البلاد كلها تحت سيطرته ، فهو بذلك قادر على أن يتمرد عليك ويقاوم محاولتك الانتقال بإغداق المال والعطايا بدون حساب على أفراد المليشيات والكتائب التي أسسها منذ سنوات كأحد أهم خطوط الدفاع عنه تأتمر بأمره وتحرسه فقد تشابكت المصالح جميعاً ..

وإذا كانت ثورة ديسمبر بحق "ثورة وعي" كما رددنا كثيراً ونردد ، فإن مهام الانتقال عندها لن تتوقف فقط عند مواجهة نتائج سياسات النظام الساقط ، وإنما تمتد إلى كل المواريث السلبية في تاريخنا المعاصر ، مواريث القبلية ، الطائفية ، والجهوية ، كأبرز الأمراض في حضننا الاجتماعي، وقد أحياها النظام الساقط ونفخ فيها واعتمدها نهجاً وسلوكاً ، وهي مورثات الفتن والصراعات الداخلية ، ومرضعات الجهل والتخلف وكافة القيم العشائرية السالبة.

ولما كانت مهام الانتقال هكذا ضخمة ومعقدة فهل يكفي لإنجازها تعيين حكام وحكومات مدنية في الولايات وإجراء إصلاحات هيكلية وسلوكية في ق ح ت كقيادة ومرجعية سياسية لها ثم تكوين مجلس تشريعي ؟ ، وحتى لو إرتفعت كل مؤسسات الانتقال في البلاد إلى أقصى درجات الكفاءة في الأداء والإنجاز ، هل ستكفيها الفترة المحددة بثلاث سنوات زمناً لأداء تلك المهام ؟

وإذا المعروف أن الفترة الانتقالية ستنتهي بعقد مؤتمر دستوري بمشاركة كل أهل السودان لوضع أسس دستورية للدولة السودانية وتحديد كيف يحكم ..... الى أن ينتهي (المؤتمر) بصياغة قانون للانتخابات تجري بموجبه انتخابات عامة ؛ كيف ستكون نتائجها بعد ثلاثة أعوام فقط ، ومهما كان أداء الثورة خلالها ؟

لا نحتاج لكثير شرح ، فمبدأ الشرعية الثورية المستمدة من مليونيات الشعب في الشوارع والساحات هي مصدر سلطات قوى الحرية والتغيير وحكومتها ، وهي الشرعية القادرة على تمديد فترة الانتقال وتعميق مستوى الأداء ونشر الوعي بمختلف برامجه الآنية والمتوسطة والبعيدة المدى لنضمن انتقالاً حقيقياً من مواريث الأعوام الستين - لا الثلاثين فقط - الماضية الى واقع انساني راسخ الديمقراطية ومستدامها ، واقع حديث مزدهر لتكون ثورة ديسمبر ثورة وعي حقيقي لا انتفاضةً نعود بها للعام ١٩٦٤ أو ١٩٨٥ .. نطالب بتمديد عمر الفترة الانتقالية ..