الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأحد 6 أيلول (سبتمبر) 2020

السلام ولجان المقاومة

بقلم : محمد عتيق

يحتار المرء أمام أضخم حدثين في سودان اليوم ، يتنازعان وجدانه ويمزقان شغافه : أيفرح بالسلام ، حلم السودان وثورته الجبارة ، حلم شبابه وأهله في عرصات دارفور وجنوب كردفان ، الحلم الممزوج بأدعيتهم وأدمعهم ؟ أم يحزن ويغتم لأمطار الخوف والدمار وفيضاناتها القاتلة : أكبر وأهم طرفين في المشاعر الانسانية : (أفراح السلام ومآسي الدمار) يتنازعانك ، يلجمان لسانك ويصفدان يديك ..

لا مندوحة عن اختيار المستقبل ، حاضر الفيضانات بكل شروره سيمضي ، فلنحسن المستقبل باستدامة سلام ينبت في أرض السودان تنميةً وديمقراطيةً واندماجاً وطنياً ، يعيد بناء البلاد على أسس عقلانية حديثة ..

ليس من أغراضنا الحديث عن تفاصيل اتفاق جوبا ولا تفاهم أديس ابابا .. إذ ، ورغم الترحيب الجارف بهما ، ستبرز أصوات هنا وهناك تشير إلى عيوب تراها في تفاصيل البنود والقضايا ؛ حديث عن العلمانية وجواز فصل الدين عن الدولة ، وهذا عن الحكم الذاتي أم تقرير المصير... هكذا ستتحدث أغلب الاحزاب ، ولكن الجوهر هو أن الحروب الأهلية ستتوقف وأن جذورها وأسبابها ستقتلع من أرض السودان نهائياً ، يعود الناس إلى حياتهم الطبيعية ، ينالون ما يكفكف الدموع ويهدهد الخواطر والأفئدة ، تمسهم أفضلية إيجابية في خطط التنمية تلحقهم بالعصر وتفجر فيهم "كنوز المحبة" والتوادد والتلاحم مع أبناء وطنهم في كل مكان ويستأنفوا عطاءهم في مسيرة الثورة والوطن اقتصادياً وثقافياً ...الخ وفي نفس الوقت سيعود المتفاوضون :

- من كان صادقاً لوجه الله والوطن سيحيا راضياً مرضياً ..
- ومن كان يعمل لمصلحة دنيوية ذاتية سينالها بائسةً خاليةً من روح السعادة والاكتفاء (الحامد الشاكر) ..

ومن كان يعمل لذاته أو غافلاً مستغفلاً (بفتح الفاء) لمصالح قوى خارجية خفية أقحمت له حديث (المسارات) شرقاً ووسطاً وقبيلةً ، سيخسأ عندما يجد نفسه غريباً وسط القوم في "المسار" وأنهم لم يأبهوا به إذ لم يشعروا أصلاً بقضية خاصة بهم غير الأزمة الوطنية الشاملة في البلاد ..

وشرط كل ذلك هو ممارسة الديمقراطية والسهر على غرسها عميقاً في التربة الوطنية .. ولا يمكن الإشارة للديمقراطية دون التأكيد على أن الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني عموماً هي أركانها وأعمدتها في البناء وفي الممارسة ، ومن البديهي أن ذلك يتطلب أن تكون الأحزاب (أوتاد الديمقراطية) هي نفسها ديمقراطية في تكوينها ؛ عضويةً وقيادةً وسلوكاً لتنسجم الأداة مع الهدف ... ولكن ، الكل يجمع على أن حياتنا السياسية بأحزابها وقياداتها ضعيفة ومتراجعة في قدراتها وتوقفت تماماً عن إنتاج الرموز الملهمة الجذابة بالمؤهلات الفكرية والشخصية ، فلم تعد قادرةً على إقناع الأجيال الجديدة والاستقطاب منها لتجديد وتطوير نسغ الحياة فيها ، ولكن ولما كانت العلاقة متبادلة : هل الأجيال الجديدة نفسها استطاعت ابتداءاً الارتقاء عن الواقع وأمراضه لدرجة السعي للانتماء الحزبي ؟؟

في الحقيقة ، انحط النظام الساقط بالتعليم وأنتج أجيالًا متواضعة القدرات الأكاديمية عموماً ، ومع أزمات المعاش والخدمات انصرف جزء منها للعمل ومساعدة الأسرة مباشرةً ، وبقيت أجزاء تنفق جهوداً وساعات عديدة من الوقت في الصفوف لشراء المواد المختلفة ، وبالتالي ضعفت اهتماماتها بالعمل السياسي والنقابي وأحجمت عن الانتماء الحزبي ..

كل ذلك صحيح ، غير أن نفس الفترة ، فترة حكم النظام الساقط (١٩٨٩ /٢٠١٩) كانت فترة الانفجار العلمي الأكبر في تكنولوجيا الاتصالات كماً وكيفاً في التاريخ مما أتاح لهم ، ليس فقط الريال والبرشا والدوري الانجليزي ...الخ ، وإنما شكل الدنيا وكيف يعيش الناس من حولهم ، ورأوا حتى في بلدان الجوار المباشر ترفاً في المعاش والخدمات والبنيات الأساسية قياساً بحالهم وحال بلادهم ، فكانت بذرة الحلم الذي صاغ وجدانهم والنداء الساحر الذي سيطر على أسماعهم وأفئدتهم وفجر فيهم الطاقات الوطنية والقدرات الفنية والثقافية والروحية المبدعة عشية الثورة في ديسمبر تتويجاً لنضالات الأحزاب والتنظيمات والأفراد مدنيين وعسكريين منذ ١٩٨٩ بل ومنذ ١٩٥٦ .. فكانت لجان المقاومة جرساً (سكون الراء) جديداً في الأسماع وفعلاً وطنياً مقتدراً مخلصاً للوطن ومخيفاً لطغاة "الزمن الضائع" والمرجفين .. متجاوزاً وعابراً للأحزاب السياسية في حالتها الراهنة ، تزيدها تجربتها القصيرة تطوراً في الرؤى والملكات ..

إذن ، فإن المهمة الملحة هي الإصلاح الحزبي وتعزيز القدرات الفكرية فيها لصياغة مشروع وطني كبير واستلهام البرنامج الحزبي المعين منه ، إصلاح عماده انسان جديد ، ديمقراطي السلوك والرؤى ، متصالح مع التنوع من حوله ، زهرةً بين زهور مختلفة الألوان والأريج في حديقة الوطن ، موضوعي النظرة منحازاً للمصلحة الوطنية العليا .. ذلك أن الديمقراطية في حقيقة الأمر تقوم وتستوي على أفراد ديمقراطيين في السلوك والتربية من كل الجوانب ، علاقة جدل متبادل بين الانسان ومجتمعه ديمقراطياً ..

فلنترك لجان المقاومة في الوقت الحالي غير (ملوثة) بطبيعة الحياة/المؤسسات/الأفراد/السودانية ، أن نفصل فصلاً تاماً بين عمل لجان المقاومة والأحزاب ، أن تبتعد الأحزاب تماماً عن محاولات احتواء لجان المقاومة أو أي فرع من فروعها .. لا اعتراض على وجود مسبق لحزبيين في صفوفها ، فذلك قد يفيدها ويرفدها بخبرات مفيدة ولكن احتواءها فلا ، تكفي التدخلات التي حدثت في صفوف "تجمع المهنيين السودانيين" فأودت بوحدتها تنظيمياً وسياسياً ..

نرحب بالسلام مهما كانت الملاحظات والاعتراضات هنا وهناك ، لجان المقاومة والشباب الجديد - بخبراتهم المتوفرة والقادمة - ستعمل على إصلاح كل اعوجاج ..