الصفحة الأساسية | عامود الرأي    الأحد 11 تشرين الأول (أكتوبر) 2020

مع لجان المقاومة ..... (١)

بقلم : محمد عتيق

جاء في مقال الأسبوع الماضي من هذه الزاوية تحديد موجز لجوانب القوة والأصالة في ثورة ديسمبر ٢٠١٨ وأنها تمثلت في :

١/ أن الجيل الذي نشأ في ظل الحكومة الاسلاموية ، ودرس مناهجها ، وعاش مؤثراتها الاجتماعية والاقتصادية كلها ، هو نفسه الجيل الذي نفذ الثورة - في أغلبها - ونذر نفسه حارساً لها ولمبادئها ، وخادماً للشعب ..

٢/ وأن شباب هذا الجيل له حصانة عقلانية ضد المؤامرات التي يديرها أعوان النظام الساقط وبعض أطراف المكون العسكري ، حصانة عقلانية تستوعب أن الثورة ستستغرق زمناً طويلاً لتبلغ أهدافها ، وأنها في هذه المسيرة ستواجه التآمر تلو التآمر ، وأنه لن تخدعه تلك المحاولات ..

٣/ وأن أحد أهم جوانب الأصالة والجدية في هذه الثورة هو هذا العداء الضخم في حجمه ، الناعم في مظهره ، الذي تواجهه إقليميًا ودولياً ، أن وجهها الديمقراطي المرسوم نوراً في (حرية ، سلام وعدالة) سيكون بؤرة اشعاع في غاية الجاذبية لشعوب المنطقة وذلك مبعث خطر على كل أنظمة الإقليم ذات الطبيعة الدكتاتورية (العسكرية والعائلية) ، ومبعث خطر كذلك على مصالح دولية عديدة عندما تنهض متحررةً ومحررةً لكل ثرواتها وإمكانياتها المنهوبة وتلك التي برسم النهب ..

بناءاً على هذا الأساس وهذا الوعي نتقدم خطوة إلى الأمام في حوار ، أو نقاش مفتوح مع الإخوة والأبناء في لجان المقاومة بكل الأحياء والمدن والفرقان على امتداد القطر حول المهام القادمة ، المهام التي لا بد من التقدم نحوها وانجازها لنتقدم - بنفس الخطوات - على طريق أهداف ثورتنا الجبارة ..

في الجانب الخاص بأن شباب الثورة متسلح بوعي ثاقب مدرك لطبيعة الخطط المناوئة للثورة ، وأنه قادر على طرح التساؤلات من نوع :

لماذا تركيز الأعداء في الداخل والخارج على خلق الأزمات التموينية وإثارة الشعب على إيقاعاتها ؟

ألم تكن حياة الشعب سلسلة من الأزمات التموينية طوال سنوات حكمهم الثلاثين ومعها أزمات أخلاقية وروحية ومعرفية ، وأزمة حادة في القيم الوطنية ؟؟

الأزمات المعاشية في السلع التموينية والبترول والغاز ليست جديدة ، كانت في عهدهم نتيجة طبيعية لسياسات النهب والتمكين ومنهج التحرير الاقتصادي ، أما الآن ، في عهد الثورة ، فإنها مصطنعة في جانب كبير منها ، يصنعها أعوان النظام الساقط لأنهم يريدون إجبار الثورة على التوقف ، على فرض مواقف عليها أقلها توصف بأنها مهينة وتؤدي الى انحراف كبير في مسيرتها .. وتتوالد الأسئلة في أذهان وضمائر الأجيال العنيدة :

- لماذا (المكون العسكري) هو الذي يبدي (الحرص الأكبر) على حل مشكلات المعاش ، وعلى التطبيع مع "اسرائيل" كطريق مهم في ذلك ؟؟

- والسؤال الواضح المطروح مسبقاً حول : سبب ومعنى انحياز المكون العسكري (أمن ، جيش وجنجويد) للثورة ، وهل هو انحياز لوجه الله والوطن ؟ .. كان واضحاً منذ البداية أن قيادة الجيش (اللجنة الأمنية للنظام الساقط) ومليشيات الجنجويد (المسماة بالدعم السريع) وجهاز الأمن ، أن انحيازها كان انحيازاً لطموح البعض في رئاسة البلاد ، وعزم البعض على صيانة المصالح والعقائد التي ارتبط بها بتجميد الثورة في حدودها ، وصيانة نفسه من مساءلات عديدة تتعلق بالانتهاكات الجسيمة في دارفور وغيرها : إزهاق الأرواح وتدمير الحياة ، ثم إعادة إنتاج النظام بصيغ ووجوه جديدة تقضي وللأبد على أهداف الثورة الجذرية وأحلام شبابها ..

نحدد الأخطاء القائمة ابتداءً ، نعترف بها ، لنتمكن معاً من ترتيب أولويات المجابهة وكيفيتها ..
عندما تقدمت الثورة واحتشدت في آفاقها أضواء النصر كانت "القوى النافذة" محلياً وإقليميًا ودولياً قد وضعت الخطط والخطوط لاعتلاء سنامها ؛ ضبطاً لاتجاهاتها وتحديداً لحدودها .. ومن أهم نتائج ذلك الاعتلاء لسنام الثورة:

•• أولاً ، نقدم ما هو معلوم من ضعف الحركة السياسية في بلادنا ، فهي ومنظمات المجتمع المدني المتحالفة في إطار "قوى الحرية والتغيير" استلمت مقود الثورة ، وبعد جريمة فض الاعتصام رد شباب الثورة عليها وعلى سلوك المجلس العسكري (حينها) بتسيير مليونية ٣٠ يونيو المجيدة ، خضع المجلس العسكري وعاد للشراكة مع "قحت" ولكن التوازن بينهما كان توازن ضعف جعلنا نقبل بالشراكة معه وبالوثيقة الدستورية - على علاته - ميثاقاً بيننا لنمضي في تحقيق أهداف الثورة ببطء ..

•• ثانياً : التدخلات المحلية والأجنبية ، وبكل هدوء ، كانت قد تسللت في أوساط جانبي الشراكة العسكري والمدني واستطاعت فرض مرشحيها (بعض الوزراء والمعاونين) وإقناعنا بالدكتور عبد الله حمدوك رئيساً لوزراء الثورة رغم حياته الطويلة في الخارج وعدم إلمامه بتفاصيل الحياة السياسية في الداخل بدلاً عن أن نتفق على شخصية من قيادات الداخل السياسية ممن عركوا معتقلات النظام ومراكز تعذيبه عزماً وصموداً ، ومعرفةً ب "جخانين" الكيزان وأروقتهم، فقبلنا به وأصبح رمزاً شعبياً وعالمياً للثورة رغم كل الصفات والقدرات التي جعلته مكبلاً بخطط إقليمية ودولية في أغلبها معادية لأهداف الشعب وأحلام الجيل الثائر ..
•• ثالثاً : مجلس السيادة الذي تنص الوثيقة الدستورية أنه في الأغلب الأعم رئاسة شرفية للبلاد ، وأن رئاسته دورية بين العسكريين والمدنيين فيه ؛ المكون العسكري ، وبحكم الدور الموكول له ونزعة أفراده وأهدافهم ، بدأ في خرق الوثيقة الدستورية مباشرةً بالتغول على صلاحيات الحكومة ، استمر في هيمنته على اقتصاد البلاد ومناشطها التجارية ، تسمية أحدهم نائباً أول للرئيس على طريقة الدكتاتوريات الغابرة

- الهيمنة على عملية السلام مع الحركات المسلحة بتكوين لجنة بدلاً عن مفوضية السلام المنصوص عليها في الوثيقة الدستورية وفرضت نفسها رئيساً للوفد الحكومي في المفاوضات - ممارسة السياسة الخارجية بما فيها بدء اجراءات للتطبيع مع "اسرائيل" دون أي مسوغ قانوني أو أخلاقي والقول به شرطاً لشطب اسم السودان من قائمة الارهاب الأمريكية قبل أن يقولها رئيس أمريكا نفسه جهراً !!

رابعاً ، ونختتم أيضاً ب (مركزية قحت) ، مرجعية الحكومة ، وقد صارت مرجعية شكلية ، حتى عندما خضعت للمطالبات التي تنص على ضرورة عقد مؤتمر لإصلاح حالها ، وافقت ، لكنها في مماطلة واضحة يريد "الكهنة" العاكفون عليها أن تدوم سطوتهم معتقدين أن في رعاية نفوذهم ومناصب من زجوا بهم في وظائف الدولة العليا - أن في ذلك مصلحة للوطن وكأنهم هم المعنيون بقوله تعالى عن (الأخسرين أعمالا) "الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا"..

وغير ذلك من الأوضاع المؤلمة التي تعانيها الثورة نتيجةً للتكالب الداخلي والخارجي عليها والحرب الاقتصادية والمعاشية التي تشنها عليها قوى النظام الساقط وتسهم في تنفيذها اللجنة الأمنية للبشير ، فما العمل إذاً ؟ وجبهات النضال لا تحصى ولا تعد ، كيف نرسم خطانا ونرتب الأولويات لأهدافنا ؟ ..

لا شك أن خط الدفاع الأقوى والأخير للثورة ، وصمام أمانها الحقيقي ، هو "لجان المقاومة" ، وليس أمامها الآن غير أن تتجاوز "قحت" (مع الاحترام) وفرض إرادة الثورة على المشهد كله .. والمدخل لكل ذلك - في إعتقادي - هو جبهتي المؤسسةالعدلية والاقتصاد ، وقبلها أنفسنا تحصيناً وضبطا ..